عبد العال سالم مكرم

78

من الدراسات القرآنية

وليس ثمة شك في أن هذه القبائل العربية كانت تتكلم بلغة واضحة المعالم بينة السمات ، هذه اللغة هي العربية ، والعربية من أقدم اللغات السامية كما نصّت على ذلك كتب العبريين ، بل إن العرب أنفسهم أقدم من العبريين في تاريخ وجودهم على هذه الأرض ، وما زالت كتبهم تقص علينا الشيء الكثير من أخبار العمالقة ، وأهل سبأ الذين كانوا يقيمون بجنوب جزيرة العرب . على أن هذه القبائل العربية لم تغلق على نفسها أبواب مساكنها ، بل اختلطت اختلاطا شديدا بغيرها من أجناس الأمم ، اختلطوا بالمصريين حينما اتحدت قبائل من العمالقة مع عرب سوريا ، واستولوا على مصر في حملة معروفة في التاريخ المصري القديم بحملة الهكسوس سنة 2000 ق . م وعرفوا بالرعاة ، ودام سلطانهم قرونا كثيرة « 1 » . وتنص الكتابات المسمارية على أن قبائل ثمود التي كانت تقيم في بلاد الحجاز اشتبكت في معارك طاحنة مع سرجون ملك آشور الذي مزقهم كل ممزق ، وأجلى البطون الثمودية الثائرة في بلاد العرب إلى مدينة غزة بفلسطين « 2 » . وقدماء اللحيانيين الذين كانوا يقيمون في الحجاز عرفوا بالقوة والعظمة حتى كان الرومان يستأجرون منهم الجنود والعساكر « 3 » . لا شك أن هذا الاختلاط الذي حدث بين العرب وغيرهم في تاريخهم القديم أدى إلى التفاعل اللغوي ، مما جعل اللغة تتطور في قوة حتى اكتمل بناؤها واتّسعت مفرداتها بفعل هذا الاحتكاك . ولا أدل على ذلك من اعتراف المستشرقين أنفسهم بهذه الظاهرة فقد قال ( ليفنسون ) : « إن اللغة العربية تشتمل على عناصر تدل على أنها بصورتها الحالية ، ليست أصلية قديمة ، بل إنها صيغ مرت عليها تقلبات كثيرة وتغيرات في حين أن هذه الكلمات توجد في العبرية أو

--> ( 1 ) حضارة العرب ص 90 . ( 2 ) حضارة العرب 174 . ( 3 ) المرجع نفسه ص 174 .